عبد الملك الجويني

318

نهاية المطلب في دراية المذهب

وإن علمنا قطعاً أنه لو جلد وقطع على التوالي ، لم تَفِض نفسُه على الفور - وإن صار لما به ( 1 ) - فإذا قال صاحب النفس : عجلوا ، وأنا أقبل ، فيجب القطع هاهنا ؛ فإن له ذلك ، وما قدمناه فيه إذا كنا نجوّز أن تفيض نفسه لتوالي العقوبتين جميعاً ، فنقول : لو فعل ذلك ، لهلكت النفس ، لا عن جهة القصاص ، فلو قال القائل : إذا كان يتأتى الموالاة في أزمنة متقاربة ( 2 ) بين هذه العقوبات ، فقد يخطُِر ( 3 ) لمستحق النفس أن يعفو ، ولو عفا ، فربما يهلك من والينا عليه بين العقوبتين ؟ قلنا : هذا لا مبالاة به الآن ، فلا يجوز ترك حق الإنسان بناء على أنه قد يعفو . 11194 - فخرج مما ذكرناه أن مستحِق النفس إن كان غائباً في الصورة التي صورناها ، فلا وجه إلا الإمهال بين الجلد والقطع ، وإن حضر وكان من الممكن لو ( 4 ) والَيْنا بين العقوبتين أن تفيض النفس بالقطع [ اختراماً ] ( 5 ) ، فهذا محل التردد ، والأظهر الإمهال ، وإن كنا نعلم أن [ الاخترام ] ( 6 ) لا يقع ، فلا وجه للتأخير عند الطلب . وتبينا من هذا المنتهى مسألةً وهي أن من استُحِقت يدُه قصاصاً ، واستُحِقت نفسه

--> ( 1 ) كذا في النسختين : ( وإن صار لما به ) ولم أدر لها وجهاً ، ولم أعرف ما فيها من تصحيف وهي جملة معترضة على أية حال ، ومعناها - كما هو واضح من السياق - أنه يوالي بين الجلد والقطع ، وإن صار بذلك إلى مماته ، ما دام ستبقى فيه حياة مستقرة بعد القطع تتيح استيفاء القصاص في النفس . هذا ، ولم يتعرض الغزالي في البسيط ولا الرافعي في الشرح الكبير ، ولا النووي في الروضة ، ولا العز بن عبد السلام في مختصره - لم يتعرض أي من هؤلاء الكرام إلى هذا المعنى مع تفصيلهم للمسألة وحكمها . ( 2 ) ت 4 : متفاوتة . ( 3 ) يخطر : من بابي ضرب وقعد . ( 4 ) ت 4 : وإن والينا . ( 5 ) في الأصل : ( احراما ) بهذا الرسم وبدون نقط . وت 4 : ( احتراما ) كذا رسماً ونقطاً . والمثبت تقدير من المحقق ، والمعنى : أننا إذا توقعنا أن تخرج نفسه بسبب توالي الجلد والقطع ، فهذا محل التردد . وذلك أن الاخترام هو الهلاك بالجوائح ، وليس حتف الأنف ( ر . المصباح ) . ( 6 ) في الأصل : الإحرام . و ( ت 4 ) : الاحترام .